وداع الأم صرخة لا يسمعها أحد
وداع الأم صرخة لا يسمعها أحد حين تَسْكُتُ الأيادي.. وتَنثُرُ التُّرابَ الأخير وَقَفْتَ اليومَ أمام حُفرةٍ لا تتّسِعُ لِضِيقِ صدرك.. رأيتَ جسدًا كان يَحْمِلُ الدفءَ كله يُوارى في ثرى بارد.. وها هي يدي - التي كنت أرفعها بالدعاء لأمّي - تُلقي حَفْنَةَ الطين الأولى.. في ذلك الصوتِ الخانِقِ لِاصطدام الترابِ بالنعش.. سَمِعْتَ وداعَ الدنيا كلها.. كأنّك تدفنُ شمسًا لا تعود.. تُطَبِّقُ على قلبك: هذه هي الغُربةُ التي لا جَبرَ لها. كُلُّ حَفنةٍ تُلقيها.. هي ذِكرى تُغَلِّفُها يدك: هذه.. لِصوتهَا الذي كان يُنبِتُ فيك الأمانَ وهذه.. لِقَلقِها عليك حين تُغيب وهذه.. لِضحكتِها التي كانت تَمحو عنك هَمَّ السنين.. الآنَ.. أنت تبني بيديك سدًّا بينك وبينها. سدًّا من ترابٍ لا يُجيبُ من خلفه صَوت! ثم تمشي بعيدًا عن القبر.. وخُطاكَ ثقيلةٌ كأنّك تَجُرّ جبالاً من لوعةٍ.. تلتفتُ للمرّة الأخيرة.. فتَرى ظِلَّك المُنْكَسِر...